محمد رأفت سعيد
171
تاريخ نزول القرآن الكريم
صلّى اللّه عليه وسلم قال : « لو أن لابن آدم واديا من ذهب ، لأحب أن يكون له واديان ولن يملأ فاه إلا التراب ويتوب الله على من تاب » . وقال ابن عباس في بيان معنى التكاثر : قرأ النبي صلّى اللّه عليه وسلم : « ألهاكم التكاثر » قال : « تكاثر الأموال ، جمعها من غير حقها ، ومنعها من حقها ، وشدّها في الأوعية » . وذكر المقابر مع ظاهرة التكاثر سبيل قوى من سبل معالجة هذه الظاهرة ، وما تحدثه في القلب من فتن لا ينزعها من القلب إلا بذكر الموت ، وما يتبعه من قبر ، وكما يذكر القرطبي رحمه الله : لم يأت في التنزيل ذكر المقابر إلا في هذه السورة . وزيارتها من أعظم الدواء للقلب القاسى ؛ لأنها تذكّر الموت والآخرة وذلك يحمل على قصر الأمل والزهد في الدنيا ، وترك الرغبة فيها . قال النبي صلّى اللّه عليه وسلم : « كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروا القبور ؛ فإنها تزهد في الدنيا وتذكر الآخرة » رواه ابن مسعود وأخرجه ابن ماجة ، وفي صحيح مسلم من حديث أبي هريرة رضي اللّه عنه : « فإنها تذكّر الموت » وفي الترمذي عن بريدة : « فإنها تذكّر الآخرة » . قال : هذا حديث حسن صحيح . وتذكّر المقابر يوقظ الإنسان على حقيقة سعيه وعمله ، روى البخاري بسنده عن أنس بن مالك رضي اللّه عنه قال : قال رسول الله صلّى اللّه عليه وسلم : « يتبع الميت ثلاثة فيرجع اثنان ويبقى معه واحد : يتبعه أهله وماله وعمله فيرجع أهله وماله ويبقى عمله » « 1 » كما تذكر زيارة المقابر بما يكون بعدها ، يقول ميمون بن مهران : كنت جالسا عند عمر بن عبد العزيز فقرأ : « ألهاكم التكاثر حتى زرتم المقابر » هنيهة ثم قال : يا ميمون ، ما أرى المقابر إلا زيارة ، وما للزائر بدّ من أن يرجع إلى منزله : يعني أن يرجع إلى منزله أي إلى الجنة أو إلى النار . فالزائر سيرحل من مكانه ذلك إلى غيره « 2 » . ومما يعين على معالجة ظاهرة التكاثر أيضا أن تهز القلوب هزّا بهذا الوعيد المتكرر بما سيرون من الجحيم . قال الحسن البصري رحمه الله في قوله مقامي : كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ ( 3 ) ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ ( 4 ) : هذا وعيد بعد وعيد ، وقال الضحاك : كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ ( 3 ) يعنى أيها الكفار ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ ( 4 ) يعنى أيها المؤمنون « 2 » ، ولو علم الناس حق العلم ما سيكون لما ألهاهم التكاثر عن طلب الدار الآخرة حتى جاءوا إلى المقابر . إن أمامهم جحيما مروّعا ، فالنار إذا زفرت زفرة واحدة خر كلّ ملك مقرب ، ونبىّ
--> ( 1 ) ابن كثير 4 / 544 . ( 2 ) المرجع السابق 4 / 545 .